الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و الْمِيزانَ : أصله اسم آلة الوزن ، والوزن تقدير تعادل الأشياء وضبط مقادير ثقلها وهو مفعال من الوزن ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ في سورة الأعراف [ 8 ] ، وشاع إطلاق الميزان على العدل باستعارة لفظ الميزان للعدل على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس . والميزان هنا مراد به العدل ، مثل الذي في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ [ الحديد : 25 ] لأنه الذي وضعه اللّه ، أي عيّنه لإقامة نظام الخلق ، فالوضع هنا مستعار للجعل فهو كالإنزال في قوله : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ . ومنه قول أبي طلحة الأنصاري « وإنّ أحبّ أموالي إليّ بئر حاء وأنها صدقة للّه فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه » أي اجعلها وعينها لما يدلّك اللّه عليه فإطلاق الوضع في الآية بعد ذكر رفع السماء مشاكلة ضدية وإيهام طباق مع قوله : رَفَعَها ففيه محسّنان بديعيان . وقرن ذلك مع رفع السماء تنويها بشأن العدل بأن نسب إلى العالم العلوي وهو عالم الحق والفضائل ، وأنه نزل إلى الأرض من السماء أي هو مما أمر اللّه به ، ولذلك تكرر ذلك العدل مع ذكر خلق السماء كما في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ في سورة يونس [ 5 ] ، وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ في سورة الحجر [ 85 ] ، وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ في سورة الدخان [ 38 ، 39 ] . وهذا يصدّق القول المأثور : « بالعدل قامت السماوات والأرض » . وإذ قد كان الأمر بإقامة العدل من أهم ما أوصى اللّه به إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم قرن ذكر جعله بذكر خلق السماء فكأنه قيل ووضع فيها الميزان . و ( أن ) في قوله : أَلَّا تَطْغَوْا يجوز أن تكون تفسيرية لأن فعل وضع الميزان فيه معنى أمر الناس بالعدل . وفي الأمر معنى القول دون حروفه فهو حقيق بأن يأتي تفسيره بحرف ( أن ) التفسيرية . فكان النهي عن إضافة العدل في أكثر المعاملات تفسيرا لذلك . فتكون ( لا ) ناهية . ويجوز أن تكون ( أن ) مصدرية بتقدير لام الجر محذوفة قبلها . والتقدير : لئلا تطغوا في الميزان ، وعلى كلا الاحتمالين يراد بالميزان ما يشمل العدل ويشمل ما به تقدير الأشياء الموزونة ونحوها في البيع والشراء ، أي من فوائد تنزيل الأمر بالعدل أن تجتنبوا الطغيان في إقامة الوزن في المعاملة . وتكون ( لا ) نافية ، وفعل تَطْغَوْا منصوبا ب ( أن )